محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ قال : أخبرنا بني إسرائيل . وكل هذه الأقوال تعود معانيها إلى ما قلت في معنى قوله : وَقَضَيْنا وإن كان الذي اخترنا من التأويل فيه أشبه بالصواب لإجماع القراء على قراءة قوله لَتُفْسِدُنَّ بالتاء دون الياء ، ولو كان معنى الكلام : وقضينا عليهم في الكتاب ، لكانت القراءة بالياء أولى منها بالتاء ، ولكن معناه لما كان أعلمناهم وأخبرناهم ، وقلنا لهم ، كانت التاء أشبه وأولى للمخاطبة . وكان فساد بني إسرائيل في الأرض المرة الأولى ما : حدثني به هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح ، وعن أبي مالك ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن عبد الله أن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ فكان أول الفسادين : قتل زكريا ، فبعث الله عليهم ملك النبط ، وكان يدعى صحابين فبعث الجنود ، وكان أساورته من أهل فارس ، فهم أولو بأس شديد ، فتحصنت بنو إسرائيل ، وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا ، إنما خرج يستطعم ، وتلطف حتى دخل المدينة فأتى مجالسهم ، فسمعهم يقولون : لو يعلم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا ، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم ، واشتد القيام على الجيش ، فرجعوا ، وذلك قول الله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثم إن بني إسرائيل تجهزوا ، فغزوا النبط ، فأصابوا منهم واستنقذوا ما في أيديهم ، فذلك قول الله ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ، وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً يقول : عددا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين : قتل زكريا ويحيى بن زكريا ، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس ، من قتل زكريا ، وسلط عليهم بختنصر من قتل يحيى . حدثنا عصام بن رواد بن الجراح ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا سفيان بن سعيد الثوري ، قال : ثنا منصور بن المعتمر ، عن ربعي بن حراش ، قال : سمعت حذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلوا ، وقتلوا الأنبياء ، بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر وكان الله ملكه سبع مئة سنة ، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها وفتحها ، وقتل على دم زكريا سبعين ألفا ، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء ، وسلب حلي بيت المقدس ، واستخرج منها سبعين ألفا ومئة ألف عجلة من حلي حتى أورده بابل " قال حذيفة : فقلت : يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله ؟ قال : " أجل بناه سليمان بن داود من ذهب ودر وياقوت وزبرجد ، وكان بلاطه بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة ، وعمده ذهبا ، أعطاه الله ذلك ، وسخر له الشياطين يأتونه بهذا الأشياء في طرفة عين ، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل ، فأقام بنو إسرائيل في يديه مئة سنة تعذبهم المجوس وأبناء المجوس ، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء ؛ ثم أن الله رحمهم ، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس ، وكان مؤمنا ، أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم ، فسار كورس ببني إسرائيل وحلي بيت المقدس حتى رده إليه ، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مئة سنة ، ثم أنهم عادوا في المواضع ، فسلط الله عليهم ابطيانحوس ، فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر ، فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس ، فسبى أهلها ، وأحرق بيت المقدس ، وقال لهم : يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء ، فعادوا في المعاصي ، فسير الله عليهم السباء الثالث ملك روميه ، يقال له قاقس بن إسبايوس ، فغزاهم في البر والبحر ، فسباهم وسبى حلي بيت المقدس ، وأحرق بيت المقدس بالنيران " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا من صنعة حلي بيت المقدس